عباس بوصفوان > عباس بوصفوان: إزاحة الشيخ خليفة الوشيكة ونظام عصي على الإصلاح (1)

By Abbas Busafwan

Originally for Bahrain Mirror here

عباس بوصفوان*

أسقطت الثورة التونسية الرئيس زين العابدين بن علي. وأسقطت الثورة المصرية الرئيس حسني مبارك. وبات أكيدا أن تسقط الثورة البحرينية رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة.

لقد كان الشيخ خليفة هدفا مباشرا للملك حمد طوال عشر سنوات مضت.. وتمكن عبر جملة من التدابير الدستورية من إعادة هيكلة السلطة، وجعلها متمحورة حوله.
أعطى دستور 1973 مجلس الوزراء هيمنة على شئون الدولة، وتنص المادة 85/أ أن “يهيمن مجلس الوزراء والوزراء على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الجهاز الحكومي”.

وقد حذف دستور 2002 كلمة “يهيمن” ووضع بدلا منها كلمة “يرعى”، وأحال كل الصلاحيات إلى الملك الذي بات يمارس صلاحياته مباشرة، وعبر وزرائه، في حين كان رأس الدولة في دستور 1973 يتولي سلطاته عبر وزرائه.

اتخذ الملك حمد قبل التعديلات الدستورية (فبراير 2002) وبعدها جملة من التغييرات الوزارية المتتالية، تم من خلالها إعادة هيكلة النخبة الحاكمة، ما أدى إلى تفريغ مجلس الوزراء من أي شخصيات موالية للشيخ خليفة، وهكذا تم محاصرة المجلس ورئيسه من الناحية العملية، وتفريغه من أي امكانات حقيقية، بعد أن تم محاصرته دستوريا.

لقد بات الشيخ خليفة أضعف مراكز القوة في النظام، بل الأضعف على الإطلاق. إذ انتقل الملف السياسي إلى القصر مباشرة بعيد تقلد الملك منصبه، وتعزز ذلك بعيد إجراء الاستفتاء على الميثاق (فبراير 2001)، الذي أعطى مشروع الملك دعما شعبيا منقطع النظير.

وانتقل الملف الاقتصادي إلى مجلس التنمية الاقتصادية الذي يرأسه ولي العهد الشيخ سلمان.فيما تحول الجيش شيئا فشيئا إلى صاحب الكلمة العليا في البلاد، وتغول على النحو الذي شاهدناه بين منتصف مارس ومطلع يونيو الماضي.

في ضوء ذلك، تحول الشيخ خليفة من رئيس وزراء البحرين إلى وزير معني بشؤون المحرق، أو وزير معني بشؤون المواطنين السنة (هكذا)، وبدأ هذا التحول منذ انتخابات 2002، حين بدأ سلسلة زيارات إلى نادي المحرق، بيد أن ذلك النهج تكرس على نحو واضح في السنوات السبع الأخيرة، مع اقتناع الشيخ خليفة أن سلطة القرار قد سحبت من تحت قدميه، وبات يكرر على الدوام، في عبارة تؤكد رضوخه للأمر الواقع، أنه رئيس حكومة جلالة الملك، وملتزم بتعليمات رأس الدولة، بما في ذلك الآلية التي باتت تحكم صنع القرار، والتي تحولت من مجلس الوزراء إلى القصر، فيما تحول مجلس الوزراء إلى هيئة فنية تقنية تطبق السياسات التي يرسمها ويشرف على تنفيذها أولئك المتنفذون في القصر، والذين لا يرون في الأضواء إلا نادرا.

اعتبر الحكم الجديد النظام السياسي “رئاسيا”، على غرار النظام في أميركا!. الملك/ الرئيس يصنع القرار، والدوائر التنفيذية في مجلس الوزراء تطبقه. إنه ليس مجلس وزراء سياسي، بل مجلس لتأدية المهام المطلوبة منه، هكذا تحدث واحد من القريبين من القصر إلى كاتب هذه السطور.

لقد تمتع الشيخ خليفة بسلطة غير محدودة أبان حكم أخيه الشيخ عيسى، لدرجة أن الأمير الراحل كان يوقع على الأوراق المحالة إليه من أخيه الاصغر دون نقاش في حالات كثيرة.
ورغم ممانعة لم تدم طويلا للواقع الجديد، بدا خلالها الشيخ خليفة مرتبكا، خصوصا في السنوات بين 2001 ـ 2003، فإنه أدرك بسرعة أيضا أن السنوات القادمة لن تكون مريحة له.
لم يقتصر الأمر على تقليص صلاحيات الشيخ خليفية دستوريا ومن ناحية فعلية. مضى الأمر إلى إحراجه علنا في صفحات الجرائد، حين وبخ الملك عمه على إعاقته بعض قرارات ولي العهد، الذي تحول عمليا ومن دون أن يدري ربما إلى أداة في يد المتنفذين في القصر، يستخدمونه لتقليص نفوذ الشيخ خليفة، فيما كان الشيخ سلمان تواقا لممارسة أدوار في مؤسسة الحكم. (راجع مقالي: من أقصى ولي العهد خارج الحوار الوطني)

يعرف ولي العهد أن لا صلاحيات دستورية له، لكنه يعرف أيضا أن بإمكان والده تكليفه بملف أو أكثر يشتغل عليه، كما كلف الأمير الراحل الشيخ عيسى ابنه حمد بتولي وزارة الدفاع، وطلب من الشيخ خليفة أن لا يتدخل في شئون الجيش الذي تحول بعد عقود إلى حاكم فعلي للبلاد، وهكذا أسند الملف الاقتصادي لولي العهد، عله يتمكن من خلق نخبته الخاصة، وعلى الأرجح فإنه لم يحقق نجاحا مهما.

المعلومات المؤكدة تفيد أن الملك عرض على الشيخ خليفة، مرارا، منصب نائب الملك، بيد أن رئيس الوزراء رفض التخلي عن منصبه الدستوري، والالتحاق بمنصب أعلى أسميا، لكن يهمشه رسميا.

لم يزح الملك حمد عمه من منصبه، لأسباب تتعلق أيضا بالنظرة السعودية التي طالما اعتبرها الملك ممانعة للإصلاح.
وتحدث الشيخ حمد لزواره من المواطنين والعرب والأجانب، مطلع الألفية، حين كانت المنامة محط أنظار الجميع، تحدث صراحة بأن الشقيقية الكبرى لا ترتاح إلى نهج التغيير الذي كان يدعي الملك تبنيه.

وهكذا استمر الشيخ خليفة في منصبه بلا صلاحيات لمدة عشر سنوات، بفعل الوضع الاقليمي أساسا، وضعف الضغط الداخلي، فيما الجماعات التي تعلن حاليا تمسكها بالشيخ خليفة لم تكن ضمن القوى التي يأخذ رأيها أو يحسب لها حساب في هذه المعادلة.

لكن الوعود بإقالة الشيخ خليفة كانت على الطاولة أبان فبراير ومارس الماضيين، حين كان المعتصمون السلميون في دوار اللؤلؤة يفرضون إيقاعهم السياسي على صاحب القرار.

ولا أقول سرا، حين أشير إلى ولي العهد لم يمانع إزاحة عم والده الشيخ خليفة (76 عاما) من رئاسة الوزارء، لقد طلب امهاله فترة محددة، وكان ولي العهد يتحدث باسم الملك حينها، وهي من المرات القلائل التي يتحدث بها ولي العهد في ملف سياسي باسم القصر، ذلك الملف الذي بقي حصرا عند وزير الديوان الملكي خالد بن أحمد آل خليفة، ومعاونه الرئيسي أحمد عطية الله، الذي يحق القول إنه صاحب نفوذ يفوق رئيس الوزراء وولي العهد أيضا.

بيد أن أمورا عدة كانت تمنع العائلة الحاكمة من إزاحة عميدها. ولا يتعلق الأمر بالسعودية فقط، لكن المشهد الداخلي دخل مرحلة كسر عظم بين المعارضة والحكم، كان عنوانها الرمزي الشيخ خليفة، الذي تطالب المعارضة بالإطاحة به. (راجع مقالي: لماذا التشدد في إقالة رئيس الوزراء)

لقد كان رد فعل الشيخ خليفة هجوميا على حدث 14 فبراير. وتحرك على نحو من يدرك التعقيدات، ومن يجني ما زرعه في عشر سنوات مضت في قلالي والمحرق.
لم يكن الشيخ خليفة صاحب أي قرار استراتيجي في كيفية التعاطي مع اعتصامات دوار اللؤلؤة. لكنه يتمتع بحس قادر على قراءة اتجاه الريح.

بدا الرجل وكأنه شخصية “انتحارية”.. وصحيح أنه كان يؤيد لجم المتظاهرين، بيد أنه لم يكن أبدا صاحب القرار في استخدام العنف، ولا صاحب القرار في استدعاء القوات السعودية (عكس ما يعدي في صحيفة السياسة الكويتية)، لكنه ليس فقط لم يكن يمانع أن يكون في صورة الشخص السيء، بل إنه تقدم الصفوف وكأنه هو الذي أمر الجيش بقتل المتظاهرين العزل في دوار اللؤلؤة في 17 فبراير، وكأنه هو الذي يقف وراء إعلان حالة الطوارئ منتصف مارس، ووراء قمع المعتصمين في الدوار، وهدمه، واحتلال السلمانية.. وقبل ذلك إنه وراء تشكيل تجمع الفاتح. فيما الحقيقة أن وراء كل القرارات جماعة الخوالد الذي تسميهم بعض أطراف في العائلة المالكة “الجنجاويد”، في إشارة إلى الميليشيات القريبة من النظام السوداني والتي اتمهت بممارسة القتل في دارفور.

لم يكن الشيخ خليفة وراء أي من القرارات المهمة في عملية قمع المطالبين بالإصلاح، لكنه أراد أن يظهر وكأنه الرجل “السيء”، وبأنه ضد مطالب المعارضة، ويرفض العفو والصلح، إذ لم يكن عنده ما يخسره، وعلامات الإطاحة به تتزايد.
بيد أنه واجه شخصا صاحب قرار لا مجرد توجيهات وكلام، هو قائد الجيش الذي سحب البساط من الشيخ خليفة، ومضى يبطش دون هوادة، متبخترا بذكريات “الفتح/ الغزو”. (راجع مقالي: المشير قد يكون متهم مرتين في انتهاكات حقوق الانسان)

فيما اتضح أن لا رجل نبيل أو طيب بين افراد العائلة حينها.. سوى ولي العهد الذي قطعت أياديه في 15 مارس حين دخل الجيش السعودي، وعاد ولي العهد لممارسة دور كبير مديري العلاقات العامة في الدولة، الجيش يوسخ ويقتل وهو ينظف ويلمع.

*صحافي بحريني.

Did you like this? Share it: