وضع اقتصادي غير مريح في البحرين

Original Post Here

يعيش الاقتصاد البحريني ظروفاً غير عادية على خلفية الأزمة التي اندلعت في منتصف فبراير الماضي، ويرصد هذا المقال جانباً من التداعيات السلبية على اقتصاد المملكة، لكنه يأمل في أن ينجح المجتمع المحلي، وبالتالي الاقتصاد المحلي في القضاء على الأزمة بكل تعقيداتها، لكن بشرط وجود الإرادة من قبل الأطراف ذات العلاقة.

لا شك في أن التكلفة الاقتصادية للأزمة تعتبر مرتفعة نسبياً وقد تصل إلى حد ملياري دولار، وفقاً لغرفة تجارة وصناعة البحرين، ويعد هذا الرقم كبيراً كونه يساوي نحو 9.5 بالمئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، والذي يبلغ 21 مليار دولار.

وعدل مجلس التنمية والاقتصادية مؤخراً توقعه لنسبة النمو للعام 2011 من 5.2 بالمئة إلى 1.6 بالمئة فقط. وتعتبر هذه النسبة متدنية، مقارنة بمتوسط النمو لدول مجلس التعاون الخليجي، وقدره 7.8 بالمئة للعام 2011، كما جاء في تقرير حديث لصندوق النقد الدولي.

وتأثرت بعض القطاعات الاقتصادية أكثر من غيرها، وخصوصاً التجزئة والضيافة والفعاليات، فيما يخص البيع بالتجزئة، يتحاشى البعض اقتناء السلع المعمرة والمكلفة نسبياً بسبب الغموض الذي يلف إمكانية التوصل لحلول سياسية وسلمية للمعضلات التي تواجه البلاد في المستقبل القريب.

وربما تسبب قيام السلطات بفصل 3 آلاف فرد من وظائفهم لأسباب سياسية في الحد من صرف مئات الأسر البحرينية. ويشار إلى أن كل مواطن عامل يوفر لقمة العيش لخمسة أفراد في المجموع، ما يعني أن 15 ألف شخص قد تضرروا من جراء التصرف، لكن لا يتوقف الضرر عند الأفراد والأسر بالنظر لارتباط المسرحين بأمور مختلفة مثل المصارف والمحال التجارية.

كما تأثر قطاع الضيافة بالنظر لانخفاض عدد الزوار من السعودية عبر جسر الملك فهد بسبب الاضطرابات السياسية في ظل وجود بدائل في المنطقة، وخصوصاً دبي. ويتميز الوافدون من السعودية بتمتعهم بقدرات مالية والأهم من ذلك استعدادهم للصرف.

إضافة إلى ذلك، تأثر قطاع الفعاليات نظراً لانتقال بعضها إلى دول أخرى، وتأجيل البعض الآخر، على سبيل المثال، تم إلغاء النسخة الثامنة من حوار المنامة، والذي كان من المزمع عقده في ديسمبر، وتستقطب الفعالية عادة، وزراء ومسؤولين من مختلف دول العالم بدليل أن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قامت بأول زيارة لها إلى البحرين في ديسمبر 2010، لإلقاء الكلمة الرئيسة في النسخة السابعة من الفعالية، لكن، توجد نية لدى الجهة المنظمة (المعهد الدولي للدارسات الاستراتيجية) بإعادة الحوار في نهاية 2012 فضلاً عن عقد لقاءات مصغرة في البحرين خلال العام المقبل.

طبعاً، يضاف إلى ذلك قرار الاتحاد الدولي للسيارات إلغاء استضافة المملكة لسباق الفورمولا واحد لموسم 2011، ونزولاً عند رغبة البحرين، وافق الاتحاد على تأجيل إقامة الفعالية في البحرين لموسم 2012 من مارس إلى نوفمبر، وعلى هذا الأساس، من المنتظر أن تعود سباقات فورمولا واحد إلى البحرين بعد مضي سنتين ونصف السنة من آخر فعالية في موسم 2010، وتشتهر الفعالية بتحقيق مكاسب اقتصادية بالنسبة لقطاعات عدة مثل المواصلات والضيافة.

صحيح أن الضرر لم يصل إلى بعض القطاعات الرئيسة في البلاد، وخصوصاً صناعة النفط التي تسهم بنحو ثلاثة أرباع دخل الخزانة العامة، وبالتالي يعد الممول الأول لنفقات الحكومة، لكن لوحظ حديثاً إلحاق أضرار بقطاع الخدمات المالية، والذي يعد الأهم بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، إذ يعد قطاع النفط الأكثر مساهمة في الناتج المحلي بالأسعار الجارية بسبب متغير سعر النفط، وخصوصاً في حال ارتفاعه كما عليه الحال في الوقت الحاضر.

وكشفت تقارير صحافية عن وجود نية لدى كريديه أغريكول، والذي يعد ثاني أكبر مصرف فرنسي على معيار الموجودات بنقل مقره الإقليمي من البحرين إلى دبي، وجاء هذا التطور في خضم أنباء غير مؤكدة بتوجه مصرف فرنسي آخر وهو بي أن بي باريبا بنقل بعض أنشطته الإدارية مثل الوظائف المحاسبية والمالية وأنشطة أخرى لا تتعلق بالتعامل مع العملاء، إلى دبي أيضاً.

وقررت مؤسسة ميد المتخصصة في شؤون منطقة الشرق الأوسط بنقل مؤتمر مالي كان مزمعاً عقده في البحرين في وقت سابق إلى دبي، ويتميز هذا المؤتمر بجمع الأطراف ذات العلاقة في صناعة التمويل الأمر الذي يفوت على البحرين فرصة تعزيز مكانتها كمركز مالي في المنطقة.

وربما بهدف تشجيع الناس على الصرف، قررت الحكومة حديثاً زيادة رواتب العاملين في القطاع العام، والمندرجين في برنامج التقاعد بكلفة قدرها 860 مليون دولار، ما يعني رفع قيمة نفقات الدولة إلى 9.1 مليار دولار في السنة المالية 2011، ومن شأن هذه الزيادة رفع مستوى العجز المتوقع إلى 3.1 مليار دولار مشكلاً أكثر من 14 بالمئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي.

ويتناقض هذا المستوى من العجز مع أحد شروط مشروع الاتحاد النقدي الخليجي، والذي يلزم بتقييد عجز الميزانية عند 3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، كما هناك سلبية أخرى تتمثل في تعزيز دور الحكومة في الاقتصاد المحلي، حيث تشكل النفقات المقدرة والمعدلة نحو 43 بالمئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يتناقض مع الزعم بالتنوع الاقتصادي في البحرين ومحدودية دور القطاع العام.

وربما كان من الأفضل منح المواطنين «ترضية» بقصد التكيف مع نفقات شهر رمضان المبارك، وعيد الفطر السعيد، بدل تحميل الميزانية العامة زيادة سنوية في المصروفات المتكررة، وليس الرأسمالية، وحسب النظرية الاقتصادية، بمقدور «الترضية» إحداث نقلة في النفقات، الأمر الذي يخدم المصلحة الاقتصادية للبحرين في الوقت الحاضر. في المقابل، يميل الناس للتخطيط لنفقاتهم في حال حصولهم على زيادة مستمرة لمصادر الدخل.

وقد تتمكن البحرين من سد جانب من العجز عبر تعزيز إيرادات الخزانة العامة، ولكن بشكل محدود نسبياً مقارنة بدول خليجية أخرى، فقد أقرت المملكة ميزانية 2011 عبر افتراض متوسط سعر قدره 80 دولارً للبرميل أي أقل من الأسعار السائدة في الأسواق الدولية، لكن يتوقع عل نطاق واسع أن يبلغ متوسط سعر النفط فوق حاجز 100 دولار للبرميل في العام 2011، ويعد الرقم 80 دولاراً للبرميل الأعلى بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث أقرت قطر متوسط سعر قدره 50 دولاراً للبرميل لميزانية السنة المالية 2011 و2012، والتي دخلت حيز التنفيذ بداية أبريل.

أما المصدر الآخر لتسديد العجز المالية المتوقع عبارة عن المعونة الاقتصادية المقررة من دول مجلس التعاون بواقع 10 مليارات دولار على مدى عشر سنوات بقيمة مليار دولار لكل سنة، لكن لا توجد آلية واضحة حتى الآن لكيفية تجميع وتحويل هذا المبلغ الكبير نسبياً، مقارنة بميزانية الناتج المحلي الإجمالي للبحرين، بمقدور هذا المبلغ تعويض الحكومة جانب من خسائرها المالية، لكن بكل تأكيد ليس القطاع الخاص، فلا يمكن تصور كيفية تعويض مؤسسات القطاع الخاص التي تضررت من الأزمة وخسرت جانباً من قاعدة زبائنها بسبب التجاذب الطائفي بين مكونات المجتمع البحريني.

وهناك خسارة أخرى تتمثل بتوجه مؤسسات الملاءة المالية لتخفيض الدرجة الممنوحة للبحرين بسبب التخوف من تفاقم الأوضاع، ففي خضم تفاقم الأزمة، قررت مؤسسة «ستندارد آند بور» تخفيض المستوى الائتماني للبحرين للأجلين الطويل والقصير درجة واحدة إلى (أي ناقص 2) على التوالي، فضلاً عن وضع البحرين تحت المراقبة، لكن، وفي خطوة لافتة ومقدرة، قررت المؤسسة رفع البحرين من حالة المراقبة كرد فعل على تحسن الظروف الأمنية في البلاد، وخصوصاً في أعقاب إنهاء تطبيق قانون السلامة الوطنية قبل أسبوعين من الموعد الأصلي.

باختصار، تخسر البحرين جانباً من سمعتها بين اقتصاديات المنطقة بسبب كيفية التعامل مع الأزمة السياسية، فقد تحولت من محلية بحتة إلى إقليمية بل دولية، ما يعني إشراك جهات أخرى في إيجاد الحلول الناجعة، وسوف يتطلب الأمر تدشين حملة علاقات عامة دولية لإعادة البحرين على خارطة الاستثمارات الدولية، لكن الأمر لن يكون سهلاً بسبب المنافسة العالمية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية.

وفي كل الأحوال، نتوقع أن تتجاوز البحرين أزمتها السياسية، وربما يتأخر الحل بعض الوقت، لكنه قادم لا محالة بالنظر للمستوى الثقافي المتقدم للشعب البحريني، ومن شأن حل الأزمة السياسة تحسين الآفاق الاقتصادية للبحرين، صاحبة أصغر اقتصاد بين دول مجلس التعاون الخليجي.

للتواصل مع الكاتب:

j.hussain@alrroya.com

Did you like this? Share it: